تَارِيخُ المَنَاهِجِ البَيْنِيَّةِ فِي الدِّرَاسَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ وَتَأْسِيسِ مَرْكَزِ الأَبْحَاثِ “مَجْد” فِي شِيرَازَ
فِي تَارِيخِ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، كَانَ الفِقْهُ الإِسْلَامِيُّ أَوَّلَ تَخَصُّصٍ مَنظُومٍ مِنَ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ الَّذِي تَشَكَّلَ بَينَ مُفَكِّرِي المُجتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ النَّاشِئِ، وَتَطَوَّرَ لِلرَّدِّ عَلَى الأَسْئِلَةِ الفِقْهِيَّةِ بِاسْتِنَادٍ إِلَى القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ. وَلَكِنَّ الاِنْتِشَارَ السَّرِيعَ لِلإِسْلَامِ فِي أَرَاضِي الرُّومِ وَفَارِسَ وَشِبْهِ القَارَّةِ الهِندِيَّةِ فِي القَرْنِ الأَوَّلِ الهِجْرِيِّ، عَرَّفَ المُسْلِمِينَ لَا عَلَى إِنْجَازَاتِ هَذِهِ الحَضَارَاتِ القَدِيمَةِ الفَلْسَفِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا عَلَى مُفَكِّرِي هَذِهِ المَنَاطِقِ الَّذِينَ كَانُوا يَطْرَحُونَ أَسْئِلَةً فَلْسَفِيَّةً أَكْثَرَ تَعْقِيدًا. وَأَدَّى هَذَا إِلَى ظُهُورِ عِلْمِ الكَلَامِ، وَهُوَ فَلْسَفَةٌ تَقُومُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ دِينِيَّةٍ، وَانْضَمَّ إِلَى العُلُومِ الإِسْلَامِيَّةِ الأَسَاسِيَّةِ مِثْلَ تَفْسِيرِ القُرْآنِ وَالحَدِيثِ.
وَعِنْدَمَا ظَهَرَتِ الإِمْبَرَاطُورِيَّتَانِ الأُمَوِيَّةُ وَالعَبَّاسِيَّةُ، وَاللَّتَانِ وَسَّعَتَا حُدُودَ العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ إِلَى قَلْبِ أُورُوبَّا وَشِبْهِ القَارَّةِ الهِندِيَّةِ، دَفَعَ هَذَا بَعْضَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَسْعَوْنَ لِإِحْيَاءِ الرُّوحَانِيَّةِ الأُولَى لِلإِسْلَامِ إِلَى تَأْسِيسِ التَّصَوُّفِ الإِسْلَامِيِّ. وَبِذَلِكَ أُضِيفَ تَخَصُّصٌ آخَرُ إِلَى الدِّرَاسَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ. وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ، بِسَبَبِ انْفِتَاحِ العُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ عَلَى ثَقَافَاتٍ أُخْرَى وَوُصُولِهِمْ إِلَى حِكْمَةِ الحَضَارَاتِ اليُونَانِيَّةِ وَالرُّومَانِيَّةِ وَالفَارِسِيَّةِ وَالهِنْدِيَّةِ، تَأسَّسَ عِلْمُ الأَخْلَاقِ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ، وَقَدِ اسْتَفَادَ هَذَا العِلْمُ مِنْ جَمِيعِ العُلُومِ الإِسْلَامِيَّةِ السَّابِقَةِ، بِمَا فِي ذَلِكَ الفِقْهُ وَالحَدِيثُ وَالتَّفْسِيرُ وَالكَلَامُ وَالفَلْسَفَةُ وَالتَّصَوُّفُ.
وَاليَوْمَ، يَتَعَجَّبُ بَعْضُ بَاحِثِي الدِّرَاسَاتِ الدِّينِيَّةِ فِي القَرْنِ الحَادِي وَالعِشْرِينَ مِنْ كَيْفَ اسْتَطَاعَ العُلَمَاءُ المُسْلِمُونَ الأَوَائِلُ، وَهُمْ وَاثِقُونَ بِرُؤْيَتِهِمِ الدِّينِيَّةِ، أَنْ يَسْتَوْعِبُوا أَجْزَاءً كَبِيرَةً مِنَ الحِكْمَةِ اليُونَانِيَّةِ وَالفَارِسِيَّةِ (الخُسْرَوَانِيَّةِ) وَالهِنْدِيَّةِ. وَقَدْ أَدَّى هَذَا المَنْهَجُ إِلَى أَنْ يَجِدَ المُسْلِمُونَ الجُدُدُ الَّذِينَ انْحَدَرُوا مِنْ أُصُولٍ فَارِسِيَّةٍ وَرُومِيَّةٍ وَهِنْدِيَّةٍ أَنَّهُمْ غَيْرُ غُرَبَاءَ عَنِ الفِكْرِ الإِسْلَامِيِّ، وَتَشَكَّلَ تَبَادُلٌ مُدهِشٌ لِلْمَعْرِفَةِ الثَّقَافِيَّةِ وَالعِلْمِيَّةِ بَينَ العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ وَمَنَاطِقَ أُخْرَى، مِنَ الشَّرْقِ الأَقْصَى إِلَى أُورُوبَّا. وَيَبْدُو هَذَا الانْفِتَاحُ الفِكْرِيُّ وَالثَّقَافِيُّ، فِي القَرْنِ الحَادِي وَالعِشْرِينَ، عَصْرِ الأُصُولِيَّةِ الدِّينِيَّةِ بَينَ الثَّقَافَاتِ، أَمْرًا اسْتِثْنَائِيًّا بَلْ وَغَرِيبًا إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ.
وَخِلَالَ القُرُونِ الأَرْبَعَةِ الأُولَى مِنِ انْتِشَارِ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، بَيْنَمَا كَانَتْ أُورُوبَّا تُعَانِي مِنَ التَّصَلُّبِ الفِكْرِيِّ وَرُكُودِ الأَلْفِيَّةِ الوُسْطَى، كَانَ العَالَمُ الإِسْلَامِيُّ، وَخُصُوصًا إِيرَانُ، رَائِدًا فِي التَّقَدُّمِ فِي العُلُومِ الإِنْسَانِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ وَالتَّجْرِيبِيَّةِ. وَاليَوْمَ، مِنَ المُعْتَرَفِ بِهِ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ أَنَّ جُذُورَ النَّهْضَةِ الأُورُوبِيَّةِ الفِكْرِيَّةَ يَجِبُ أَنْ تُلْتَمَسَ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ، وَخُصُوصًا فِي إِيرَانَ عَهْدِ البُوَيْهِيِّينَ. حَتَّى إِنَّ المُجْتَمَعَاتِ الأُورُوبِيَّةَ اضْطُرَّتْ إِلَى تَرْجَمَةِ أَعْمَالِ أَرِسْطُو وَأَفْلَاطُونَ مِنَ العَرَبِيَّةِ إِلَى اللَّاتِينِيَّةِ لِكَيْ تَسْتَرِدَّ تُرَاثَهَا اليُونَانِيَّ.
وَقَدْ انْعَكَسَتْ هَذِهِ التَّطَوُّرَاتُ أَيْضًا عَلَى المَنَاهِجِ الدِّرَاسِيَّةِ فِي المَدَارِسِ الدِّينِيَّةِ (المَدَارِسِ)، الَّتِي كَانَتْ تُشَجِّعُ الدِّرَاسَاتِ البَيْنِيَّةَ مِنْ شَمَالِ أَفْرِيقِيَا إِلَى إِيرَانَ. وَلِهَذَا السَّبَبِ ظَهَرَتْ أَوَّلُ الجَامِعَاتِ فِي العَالَمِ بِالمَعْنَى الحَدِيثِ لِلْكَلِمَةِ فِي مُدُنٍ مِثْلَ فَاسَ (المَغْرِبِ)، وَالقَيْرَوَانِ (تُونُسَ)، وَالأَزْهَرِ (مِصْرَ)، وَالنِّظَامِيَّةِ فِي بَغْدَادَ. وَقَدْ أَنْتَجَتْ هَذِهِ الثَّقَافَةُ البَيْنِيَّةُ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ عُلَمَاءَ مُتَعَدِّدِي المَجَالَاتِ مِثْلَ الفَارَابِيِّ، وَابْنِ سِينَا، وَخَوَاجَةَ نَصِيرِ الدِّينِ الطُّوسِيِّ، الَّذِينَ حَافَظَتْ أَعْمَالُهُمْ عَلَى مَتِينَتِهَا العِلْمِيَّةِ وَالفِكْرِيَّةِ حَتَّى آخِرِ العَصْرِ الحَدِيثِ وَالمُعَاصِرِ.
وَإِذَا كُنَّا نَتَسَاءَلُ عَنِ العَوَامِلِ الَّتِي أَدَّتْ إِلَى تَضْيِيقِ الآفَاقِ البَيْنِيَّةِ فِي المَدَارِسِ الدِّينِيَّةِ، فَإِنَّ الإِجَابَةَ عَلَى الأَرْجَحِ تَتَعَدَّدُ. وَلَكِنْ يُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَ بِثِقَةٍ إِنَّ الأَيْدِيُولُوجِيَّاتِ الأُصُولِيَّةَ الحَدِيثَةَ فِي الشَّرْقِ وَالغَرْبِ تَعْتَمِدُ عَلَى نُظُمٍ تَعْلِيمِيَّةٍ حُرِمَتْ مِنَ التَّفَاعُلِ البَيْنِيِّ مَعَ المَعْرِفَةِ البَشَرِيَّةِ.
ظُهُورُ وَانْحِسَارُ الدِّرَاسَاتِ الأَخْلَاقِيَّةِ
كَما هُوَ الحَالُ فِي فُرُوعِ الفِكْرِ الإِسْلَامِيِّ الأُخْرَى، قَدْ شَهِدَتِ الدِّرَاسَاتُ الأَخْلَاقِيَّةُ تَقَلُّبَاتٍ كَبِيرَةً. فَفِي التَّصْنِيفَاتِ الكَلَاسِيكِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَعُدُّ الأَخْلَاقَ فَرْعًا مِنَ الفَلْسَفَةِ، وَتُصَنَّفُ عَادَةً تَحْتَ عُنْوَانِ الحِكْمَةِ النَّظَرِيَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ، كَانَتِ الأَخْلَاقُ الإِسْلَامِيَّةُ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ ثَمَرَةَ انْفِتَاحِ العُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ الأَوَائِلِ عَلَى حِكْمَةِ الحَضَارَاتِ الأُخْرَى. وَيُعْتَبَرُ العَالِمُ الإِيرَانِيُّ عَبْدُ اللهِ ابْنُ المُقَفَّعِ مِنْ أَوَائِلِ عُلَمَاءِ الأَخْلَاقِ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ، حَيْثُ أَظْهَرَ جَمْعُهُ لِلْحِكْمَةِ الهِنْدِيَّةِ فِي كِتَابِ “كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ” أَنَّ الحِكْمَةَ تَتَجَاوَزُ الثَّقَافَاتِ المَحَلِّيَّةَ، وَتَعْكِسُ عَقْلانِيَّةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الحَضَارَاتِ.
وَفِي العَصْرِ الذَّهَبِيِّ لِلْعِلْمِ الإِسْلَامِيِّ، بَيْنَمَا كَانَ ابْنُ سِينَا يُفَسِّرُ الفَلْسَفَةَ اليُونانِيَّةَ وَيُنَظِّمُ الفَلْسَفَةَ المَشَّائِيَّةَ الإِسْلَامِيَّةَ، كَانَ أَبُو عَلِيِّ المِسْكَوَيْهِ يُؤَلِّفُ مُؤَلَّفًا يُوَائِمُ بَيْنَ الأَخْلَاقِ الأَرِسْطُوِيَّةِ وَقِيَمِ الإِسْلَامِ الدِّينِيَّةِ، مُبَيِّنًا أَنَّهُ لَا تُوجَدُ تَنَاقُضَاتٌ جَوْهَرِيَّةٌ بَيْنَ الأَخْلَاقِ الفَضِيلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ وَاليُونانِيَّةِ إِلَّا فِي مَوْضُوعَيِ التَّوْحِيدِ وَالعَقِيدَةِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي الآخِرَةِ. وَفِي نَفْسِ هَذَا العَصْرِ، صَوَّرَ الشَّاعِرُ الإِيرَانِيُّ الفِرْدَوْسِيُّ فِي “الشَّاهْنَامَةِ” التَّوَافُقَ بَيْنَ الحِكْمَةِ الخُسْرَوَانِيَّةِ الإِيرَانِيَّةِ وَالأَخْلَاقِ الإِسْلَامِيَّةِ. وَبِطَرِيقَةٍ مُشَابِهَةٍ، وَصَلَ الرَّاغِبُ الأَصْفَهَانِيُّ وَأَبُو حَيَّانَ التَّوْحِيدِيُّ إِلَى نَتِيجَةٍ مُمَاثِلَةٍ بِالاِعْتِمَادِ عَلَى المَصَادِرِ القُرْآنِيَّةِ وَالحَدِيثِيَّةِ وَالأَدَبِيَّةِ. فَبَيْنَمَا كَانَ أَرِسْطُو يَرَى أَنَّ العَدَالَةَ غَيْرُ ضَرُورِيَّةٍ فِي مُجْتَمَعٍ قَائِمٍ عَلَى الصَّدَاقَةِ، كَانَ الرَّاغِبُ الأَصْفَهَانِيُّ يَعْتَقِدُ أَنَّ العَدَالَةَ هِيَ خَلِيفَةُ الحُبِّ.
وَإِنَّ الأَجْيَالَ اللَّاحِقَةَ مِنْ عُلَمَاءِ الأَخْلَاقِ الإِسْلَامِيِّينَ قَدْ رَكَّزُوا بِدَرَجَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى المَصَادِرِ القُرْآنِيَّةِ وَالحَدِيثِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ، لَكِنَّهُمْ ظَلُّوا مُتَمَسِّكِينَ بِهَذِهِ الفِكْرَةِ أَنَّ الحِكْمَةَ الأَخْلَاقِيَّةَ هِيَ إِرْثٌ عَالَمِيٌّ لِلْبَشَرِيَّةِ. حَتَّى أَنَّ شَخْصِيَّاتٍ مِثْلَ أَبِي حَامِدٍ الغَزَالِيِّ، وَإِنْ كَانَ مُعَارِضًا لِلْمَنَاهِجِ البَيْنِيَّةِ، فَقَدِ اسْتَقَى الإِلهَامَ مِنْ كِتَابِ “تَهْذِيبِ الأَخْلَاقِ” لِلْمِسْكَوَيْهِ – الَّذِي كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الحِكْمَةِ اليُونانِيَّةِ وَالإِسْلَامِيَّةِ – عِنْدَ كِتَابَتِهِ لِأَحَدِ أَهَمِّ الأَعْمَالِ الأَخْلَاقِيَّةِ فِي الإِسْلَامِ “إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ”. وَقَدْ كَانَ كِتَابُ “كِيمْيَاءِ السَّعَادَةِ” لِلْغَزَالِيِّ اقْتِبَاسًا فَارِسِيًّا مِنْ عَمَلِ المِسْكَوَيْهِ.
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ سَيْطَرَةِ الرُّؤْيَةِ العَالَمِيَّةِ حَوْلَ الأَخْلَاقِ، بَرَزَتْ بِالتَّدْرِيجِ مَدَارِسُ مُخْتَلِفَةٌ رَكَّزَتْ عَلَى مَنَاهِجَ قُرْآنِيَّةٍ أَوْ حَدِيثِيَّةٍ أَوْ عِرْفَانِيَّةٍ أَوْ فَلْسَفِيَّةٍ أَوْ تَكْامُلِيَّةٍ. مِنْ أَمْثِلَتِهَا:
الأَخْلَاقُ الرِّوَايِيَّةُ:
– أَعْمَالُ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَابْنِ مَاجَهَ وَالكُلَيْنِيِّ وَالمَجْلِسِيِّ
الأَخْلَاقُ الفَلْسَفِيَّةُ:
– أَعْمَالُ الرَّازِيِّ وَالفَارَابِيِّ وَالمِسْكَوَيْهِ وَخَوَاجَةَ نَصِيرِ الدِّينِ الطُّوسِيِّ
الأَخْلَاقُ العِرْفَانِيَّةُ:
– أَعْمَالُ السَّرَّاجِ الطُّوسِيِّ وَالمَكِّيِّ وَالسُّلَمِيِّ وَابْنِ سِينَا
الأَخْلَاقُ التَّكْامُلِيَّةُ/الدِّينِيَّةُ:
– أَعْمَالُ الحَارِثِ المُحَاسِبِيِّ وَالمَاوَرْدِيِّ وَالرَّاغِبِ الأَصْفَهَانِيِّ وَالغَزَالِيِّ
بِالإضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، وُجِدَتْ أَعْمَالٌ أَخْلَاقِيَّةٌ عُرْفِيَّةٌ مِثْلَ “قَابُوسَ نَامَةَ” وَ”نَصِيحَةِ المُلُوكِ”، الَّتِي رَكَّزَتْ عَلَى مَهَارَاتِ الحَيَاةِ وَالحُكْمِ دُونَ التِزَامٍ صَارِمٍ بِالتَّعَالِيمِ الدِّينِيَّةِ أَوِ الفَلْسَفِيَّةِ.
مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ هَذَا التُّرَاثِ الغَنِيِّ، لَمْ يَضْعُفْ فَقَطْ النَّهْجُ البَيْنِيُّ بَلْ أُدْفِعَتْ تَخَصُّصَاتٌ مِثْلَ الأَخْلَاقِ وَتَفْسِيرِ القُرْآنِ إِلَى الهَامِشِ فِي إِطَارِ الدِّرَاسَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ. وَتَبْقَى العَلاقَةُ بَيْنَ هَذَا التَّغْيِيرِ فِي المَنَاهِجِ الدِّرَاسِيَّةِ وَظُهُورِ الأُصُولِيَّةِ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ سُؤَالًا حَيَوِيًّا يَحْتَاجُ إِلَى المَزِيدِ مِنَ البَحْثِ وَالدِّرَاسَةِ.
**مُلَاحَظَةٌ تَارِيخِيَّةٌ**: يَظْهَرُ مِنْ خِلَالِ هَذَا المَسَارِ التَّارِيخِيِّ أَنَّ العَوَامِلَ الَّتِي أَدَّتْ إِلَى تَرَاجُعِ الدِّرَاسَاتِ البَيْنِيَّةِ وَتَضَيُّقِ الأُفُقِ الفِكْرِيِّ تَتَرَاوَحُ بَيْنَ السِّيَاسِي وَالثَّقَافِيِّ وَالدِّينِيِّ، وَتَحْتَاجُ إِلَى دِرَاسَاتٍ مُعَمَّقَةٍ لِفَهْمِ طَبِيعَةِ هَذِهِ العَلاقَاتِ التَّارِيخِيَّةِ المُعَقَّدَةِ.
مَکْتَبُ شِیرَازَ
لِمِنْطَقَةِ فَارِسَ، وَخُصُوصًا مَرْکَزُهَا شِیرَازَ، مَکَانَةٌ مُتَمَیِّزَةٌ فِی التَّمْدُنِ العَالَمِیِّ. مُنَاخُهَا المُعْتَدِلُ وَمَوْقِعُهَا الاسْتِرَاتِیجِیُّ فِی شَرْقِ الأَوْسَطِ، جَعَلَاهَا مَرْکَزًا لِلْفِکْرِ الحُرِّ وَحِوَارِ الحَضَارَاتِ. مِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا التُّرَاثِ:
- کُورُوشُ الکَبِیرُ ، نَمُوذَجُ الأَخْلَاقِ السِّیَاسِیَّةِ فِی العَصْرِ القَدِیمِ الَّذِی سَجَّلَ احْتِرَامَ حُرِّیَّةِ العَقِیدَةِ فِی مَنْشُورِهِ المَشْهُورِ.
- التَّصَوُّفُ الإِسْلَامِیُّ: أَوَّلُ مُؤَلَّفٍ نَظَرِیٍّ عَنْ حُبِّ اللهِ فِی التَّصَوُّفِ، «عَطْفُ الأَلْفِ المَأْلُوفِ عَلَی اللَّامِ المَعْطُوفِ»، لِعَلِیِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّیْلَمِیِّ ، تِلْمِیذِ أَبِی عَبْدِ اللهِ بْنِ خَفِیفٍ الشِّیرَازِیِّ (تُوُفِّیَ 982 مِیلَادِیًّا).
- فَلْسَفَةُ الصَّدَاقَةِ: الرِّسَالَةُ الوَحِیدَةُ مِنْ نَوْعِهَا فِی الفَلْسَفَةِ وَآدَابِ الصَّدَاقَةِ فِی التُّرَاثِ الإِسْلَامِیِّ القَدِیمِ، لِأَبِی حَیَّانَ التَّوْحِیدِیِّ .
- مُلَا صَدْرَا الشِّیرَازِیُّ ، آخِرُ فَلَاسِفَةِ الفِکْرِ الإِسْلَامِیِّ القَدِیمِ الکِبَارِ، الَّذِی طَوَّرَ الحِکْمَةَ المُتَعَالِیَةَ وَسَعَیَ لِتَوْحِیدِ فُرُوعِ المَعْرِفَةِ الدِّینِیَّةِ المُخْتَلِفَةِ. یُمْکِنُ اعْتِبَارُهُ رَائِدًا لِلْمَنَاهِجِ بَیْنَ التَّخَصُّصَاتِ فِی الدِّرَاسَاتِ الدِّینِیَّةِ.
فارسُ كذلك مَسقَطُ رأسِ بَعضِ أعلامِ الباحثينَ في الأخلاقِ، ومنهم:
- عَبدُ اللهِ بنُ المُقَفَّعِ ، أوَّلُ باحِثٍ مُسلِمٍ وفارِسيٍّ في الأخلاقِ، وقد قامَ بترجمةِ كَليلةَ ودِمنةَ مِن اللغةِ الفَهلَويةِ إلى العربيَّةِ، وقد عرَّفَ من خلالها الحِكمةَ الهندو-إيرانيَّةَ إلى الأخلاقِ الإسلاميَّةِ
- غِياثُ الدِّينِ مَنصورُ الدَّشتَكي ، مُؤَلِّفُ كتابِ “الأخلاقِ المَنصوريَّةِ” و”جَهاننامه”، وهُما عِبارَةٌ عن مُوسوعَتَينِ في الحِكمةِ الفلسفيَّةِ أثَّرتا على كُتُبِ الأخلاقِ المُتأخِّرةِ مثلَ “مِعراجِ السَّعادةِ” و”جامِعِ السَّعاداتِ” للنَّراقيَّينِ.
إِنَّ مُساهَماتِ شيرازَ في عُلومِ اللُّغَةِ والفَنِّ والعِمارةِ كانتْ مُتألِّقَةً كذلكَ:
- نَحوُ اللُّغَةِ العربيَّةِ: قَد وَضَعَ أُسُسَهُ وقرَّرَ قواعِدَهُ اثنانِ من الفُرسِ، وهُما سِيبَوَيْهِ ، وأبو عليٍّ النَّحويُّ الفارسيُّ .
- العِمارةُ: يُعتَبَرُ مسجدُ نَصيرِ المُلكِ ذو النوافذِ الزُّجاجيَّةِ المُلوَّنَةِ، وحَرمُ شاهچراغ ذي المرايا المُلوَّنَةِ، مِن أبرَزِ نَماذِجِ الفَنِّ المِعمارِيِّ في شيراز.
- فَنُّ الخَطِّ والرَّسمِ: طَوَّرَت شيرازُ مَذاهِبَ مُتَمايِزَةً، برَزَ فيها أَعلامٌ مِثلُ أحمَدَ النِّيرِيزيِّ ، الَّذي أَنتَجَ مَخطوطاتٍ قُرآنيَّةً بإتقانٍ بالغٍ، وكذا مُحمَّدُ بنُ عليٍّ المُقلايُ البَيضاويُّ ، الَّذي تولّى الوِزارَةَ مرارًا في بلاطِ الخِلافةِ العبَّاسيَّةِ، ويُعَدُّ مُخترِعًا لعدَّةِ خُطوطٍ عربيَّةٍ.
- لأَعمالُ الخيريَّةُ: تُعرَفُ شيرازُ كذلكَ بالبِرِّ والإِحسانِ، إذ إنَّ ثُلثَ أراضيها في الوقتِ الحاضِرِ مملوكَةٌ للأَوقافِ الخيريَّةِ.
- السِّلميَّةُ: تُجَسِّدُ القُدرَةُ التَّاريخيَّةُ لِشيرازَ على التَّحمُّلِ، حتَّى في وَقتِ غَزوِ المُغولِ، فَلسَفَةً مِن السِّلمِ والاعتدالِ.
ويُمكنُ وَصفُ ماهِيَّةِ مَذهَبِ شيرازَ بالأخلاقِ الفاضِلَةِ مِثلَ: السِّلميَّةِ، والصَّداقَةِ، والخَيرِيَّةِ، والتَّسامُحِ، والصَّبرِ، والمروءَةِ، والتَّوسُّطِ، والعالميَّةِ، وتَقديرِ الجَمالِ. وقد أَتَاحَت هذِه الأُصولُ الأخلاقيَّةُ لإقليمِ فارسَ أَن يُحافِظَ على استِمرارِهِ الاجتماعيِّ والحَضاريِّ، رغمَ التَّحوُّلاتِ التَّاريخيَّةِ.
العَصرُ السَّيَّالُ
تميَّزَتِ العقودُ الأُولى مِن القَرنِ الحادي والعشرينَ بالتعدُّديَّةِ القُطبيَّةِ واللااستِقرارِ في النُّظُمِ الاجتماعيَّةِ والسِّياسيَّةِ والاقتصاديَّةِ، مِمَّا أَدَّى إلى أَزماتٍ في المَعتقدِ والأَخلاقِ والسُّلوكِ. ومن العَواملِ المُؤَثِّرَةِ:
- ظُهورُ الفَلسفاتِ القائِمَةِ على الاكتِفاءِ الذَّاتيِّ وتَزايُدُ الشُّعورِ بالوَحدَةِ.
- النَّزعةُ الاستِهلاكيَّةُ الَّتي رَوَّجَ لها الاقتصادُ النِّيو-لِيبراليُّ، وقد كانَ لها آثارٌ ضارَّةٌ على البيئةِ.
- الحُروبُ الإقليميَّةُ والدُّوليَّةُ، بما فيها أعمالُ الإبادةِ الجَماعيَّةِ في الشَّرقِ الأَوسَطِ وأُوروبا.
- الثَّورةُ الرَّقميَّةُ والتَّوسُّعُ الكبيرُ في الوصولِ إلى المَعلوماتِ.
- اتِّساعُ الفَجوةِ بينَ الأَغنياءِ والفُقراءِ، وظُهورُ “الفاشيَّةِ الدِّيموقراطيَّةِ”.
وفي هذا السِّياقِ، تُقَدِّمُ الذَّكاءُ الاصطِناعيُّ (AI) فُرَصًا وتَحدِّياتٍ على حدٍّ سواءٍ؛ فهو قادِرٌ على استِبدالِ المِهَنِ البشريَّةِ، كما يُمكِنُ أَن يُساءَ استِخدامُهُ في الحُروبِ، كما شوهدَ في غَزَّةَ. وإِنَّ قُدرَةَ الذَّكاءِ الاصطِناعيِّ غيرِ المُقيَّدَةِ تَنطَوِي على خَطرِ تَهيِئةِ السَّبيلِ لاستِبدادٍ سياسيٍّ غيرِ مَسبوقٍ.
مَعهدُ مَجدٍ في شيرازَ: مُؤَسَّسَةٌ لِلأَخلاقِ المُقارَنَةِ في العالَمِ المُعاصِرِ
في عامِ ٢٠١٦م،(1395 ش.) قامَت مجموعةٌ من الباحِثينَ من إقليمِ فارسَ، بإِدراكِهِم لِلإرثِ الأَخلاقيِّ والفَلسفيِّ لِشيرازَ، وبفَهمِهِم لِلحاجَةِ المُلحَّةِ إلى دِراساتٍ أَخلاقيَّةٍ تُعَزِّزُ التَّعاليمَ الدِّينيَّةَ لمُواجهةِ تَحدِّياتِ المُجتمعِ العالَميِّ السَّيَّالِ، بتأسيسِ “مَعهدِ مَجدٍ للدِّراساتِ الأَخلاقيَّةِ”. وقد استَقَرَّ هذا المَعهدُ في “مدرسةِ الإمامِ العصرِ (عَجَّلَ اللهُ فَرَجَهُ) الحوزويَّةِ” الَّتي أُسِّسَت عامَ ١٩٧٣م على يَدِ آيةِ اللهِ مَجدُ الدِّينِ المَحَلّاتي. وقد نَشَرَ المَعهدُ أَكثرَ مِن أربعينَ كتابًا في الأَخلاقِ المُقارَنَةِ، ولا سيَّما في مَجالِ أَخلاقِ الحَربِ والسَّلامِ، باللُّغاتِ الفارسيَّةِ والعربيَّةِ والإنجليزيَّةِ. ومِن أَهمِّ المُؤَلَّفاتِ دراساتٌ عن الصَّداقَةِ، والعَفوِ، والشُّكرِ، والكَرامَةِ، وأَخلاقِ حلِّ النِّزاعاتِ.
يَسعى هذا المَعهدُ إلى تَحقيقِ الأَهدافِ التَّاليةِ:
- إيجادُ جُسورٍ بينَ القِيَمِ الأَخلاقيَّةِ التَّقليديَّةِ والدِّراساتِ العَصرِيَّةِ البَيْنَ-تَخصُّصِيَّةِ، والبَيْنَ-دينيَّةِ، والبَيْنَ-دُوَلِيَّةِ.
- تَرجَمَةُ ونَشرُ الأَدَبِ الأَخلاقيِّ المُقارَنِ باللُّغاتِ العالميَّةِ.
- تَقديمُ دَوراتٍ تَخصُّصِيَّةٍ وورشِ عَمَلٍ في مَجالِ الأَخلاقِ المُقارَنَةِ لِصالِحِ الجامِعاتِ والمدارِسِ الدِّينيَّةِ.
المَشاريعُ المُستَقبَليَّةُ:
- سِلسِلَةٌ مِن سِتَّةِ مُجلَّداتٍ حولَ أَخلاقِ الحَربِ المُقارَنَةِ.
- سِلسِلَةُ “الحَرِيرِ الأَخضَرِ”: أَعمالٌ مَرجِعيَّةٌ في الأَخلاقِ المُقارَنَةِ الشِّيعيَّةِ والعالميَّةِ.
- “دَليلُ الأَخلاقِ” و”رَفيقُ الأَخلاقِ” باللُّغَةِ الإِنجليزيَّةِ.
- كِتابُ دليلِ الأَخلاقِ الإسلاميَّةِ باللُّغَةِ العربيَّةِ بحُلولِ عامِ ٢٠٣١م.
- دِراساتٌ حولَ الإِمامِ الحُسينِ (عليهِ السَّلامُ)، معَ نَظرٍ إلى دُروسِهِ في كَبحِ الحُروبِ والعُنفِ.
التَّعاوناتُ:
قَد وَقَّعَ هذا المَعهَدُ مذكِّراتِ تَفاهُمٍ مع جامعةِ شيرازَ، ويَستَضيفُ فرعَ شيرازَ لِـ”الجَمعيَّةِ الفَلسَفيَّةِ الإيرانيَّةِ”. ويَرحِّبُ هذا المَركَزُ بِكافَّةِ أَشكالِ التَّعاوُنِ في النَّشرِ والأَبحاثِ المُشتَرَكةِ.
الأَهدافُ البَعيدَةُ:
في عَصرٍ يَتَّسِمُ بالسُّيولَةِ الاجتماعيَّةِ والأَزماتِ العالَميَّةِ، يَسعى هذا المَعهَدُ إلى تَرقِيَةِ ونَشرِ القِيَمِ الأَخلاقيَّةِ مِن النِّطاقِ الشَّخصيِّ إلى الجَماعيِّ والدُّوَليِّ، مِن خِلالِ الدِّراساتِ البَيْنَ-تَخصُّصِيَّةِ والبَيْنَ-دينيَّةِ. وإِنَّ النَّجاحَ في هذا الهَدَفِ يَتَطَلَّبُ التَّعبيرَ عن تِلكَ القِيَمِ بلُغَاتٍ عَصرِيَّةٍ، وتَعزِيزَ التَّعاوناتِ العِلميَّةِ.
ويَتَوجَّهُ مَعهدُ مَجدٍ بِدَعوَةٍ صادِقَةٍ إلى الباحِثينَ والطُّلَّابِ لِلانضِمامِ إلى هذِهِ المَسيرَةِ.